ابن أبي الحديد
15
شرح نهج البلاغة
أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ، ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم ، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون ، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول ، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ، ولا يصلح الناس إلا ثلاث : إخراج العطاء عند محله ، وإقفال الجنود لوقتها ، وغزو العدو في داره ، فإنهم إن لم تغزوهم غزوكم . ثم نزل . قال المدائني : فقال المسيب بن نجبة للحسن عليه السلام : ما ينقضي عجبي منك ! بايعت معاوية ومعك أربعون ألفا ، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعقدا ظاهرا ، أعطاك أمرا فيما بينك وبينه ، ثم قال ما قد سمعت ، والله ما أراد بها ( 1 ) غيرك ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه ، فقد نقض ما كان بينه وبينك . فقال : يا مسيب ، إني لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ، ولا أثبت عند الحرب منى ، ولكني أردت صلاحكم ، وكف بعضكم عن بعض ، فارضوا بقدر الله وقضائه ، حتى يستريح بر ، أو يستراح من فاجر . قال المدائني ودخل عبيدة بن عمرو الكندي على الحسن عليه السلام - وكان ضرب على وجهه ضربة وهو مع قيس بن سعد بن عبادة - فقال : ما الذي أرى بوجهك ؟ قال : أصابني مع قيس . فالتفت حجر بن عدي إلى الحسن ، فقال : لوددت أنك كنت مت قبل هذا اليوم ، ولم يكن ما كان ، إنا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبوا . فتغير وجه الحسن ، وغمز الحسين عليه السلام حجرا ، فسكت ، فقال الحسن عليه السلام : يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك ، وما فعلت إلا إبقاء عليك ، والله كل يوم في شأن .
--> ( 1 ) عبارة د : " ما أراد بما قال غيرك " .